الشيخ السبحاني

359

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

الصالحون . فعطف هذا على ذلك ، جور في القضاء ، وعناد في الاستدلال . وأما الاستدلال بالآية الثانية ، فهو ضعيف من وجهين : الأول : إنّ الآية على خلاف ما يدّعيه أدلّ ، لأنّ عطف وَيَقُولُونَ ، على قوله : وَيَعْبُدُونَ ، دليل على أنّ العمل الثاني ليس عبادة ، أخذا بحكم العطف الدال على المغايرة . وبعبارة أخرى : إنّ المشركين كانوا يقومون بعملين ، العبادة أوّلا ، وقولهم هم شفعاؤنا ، وطلب الشفاعة منهم ثانيا ، وعلة اتّصافهم بالشرك هو الأوّل لا الثاني . الثاني : لو فرضنا أنّ الجملة الثانية ، جملة تفسيرية للأولى ، فنقول : إنّ توصيف طلب الشفاعة من الأوثان بالعبادة لا يستلزم توصيف طلب الشفاعة من الأولياء بها أيضا ، لما عرفت من الاختلاف في العقيدة ، وأنّ الشافعين كانوا عند عبدة الأصنام آلهة ، وعند المؤمنين عبادا صالحين ، وأين هذا من ذاك ؟ ! . الوجه الثالث : إن طلب الحاجة من غيره سبحانه حرام ، فإن ذلك دعاء لغير اللّه ، وهو حرام . قال سبحانه : فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً « 1 » . ويدل على أنّ الدعاء في الآية عبادة ، قوله سبحانه : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ « 2 » . فقد عبّر عن العبادة في الآية بلفظ « الدعوة » في صدرها ، وبلفظ العبادة في ذيلها ، وهذا يكشف عن وحدة التعبيرين في المعنى . وقد ورد عنه صلى اللّه عليه وآله : « الدعاء مخ العبادة » .

--> ( 1 ) سورة الجن : الآية 18 . ( 2 ) سورة غافر : الآية 60 .